الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

285

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بين أتباعه مع وجود الشريعة المانعة من مثله كأنه حدث عقب بعثة عيسى وإن كان بينه وبينها زمان طويل دبّت فيه بدعتهم ، واستعمال اللّفظ في حقيقته ومجازه شائع لأن المدار على أن تكون قرينة المجاز مانعة من إرادة المعنى الحقيقي وحده على التحقيق . وهذا الاختلاف أجمل هنا ووقع تفصيله في آيات كثيرة تتعلق بما تلقّى به اليهود دعوة عيسى ، وآيات تتعلق بما أحدثه النصارى في دين عيسى من زعم بنوّته من اللّه وإلهيته . ويجوز أن تكون مِنْ في قوله : مِنْ بَيْنِهِمْ ابتدائية متعلقة ب ( اختلف ) أي نشأ الاختلاف من بينهم دون أن يدخله عليهم غيرهم ، أي كان دينهم سالما فنشأ فيهم الاختلاف . وعلى هذا الوجه يختص الخلاف بأتباع عيسى عليه السلام من النصارى إذ اختلفوا فرقا وابتدعوا قضية بنوّة عيسى من اللّه فتكون الفاء خالصة للتعقيب المجازي . وفرع على ذكر الاختلاف تهديد بوعيد للذين ظلموا بالعذاب يوم القيامة تفريع التذييل على المذيّل ، فالذين ظلموا يشمل جميع الذين أشركوا مع اللّه غيره في الإلهية إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] ، وهذا إطلاق الظلم غالبا في القرآن ، فعلم أن الاختلاف بين الأحزاب أفضى بهم أن صار أكثرهم مشركين بقرينة ما هو معروف في الاستعمال من لزوم مناسبة التذييل للمذيّل ، بأن يكون التذييل يعمّ المذيّل وغيره فيشمل عموم هذا التذييل مشركي العرب المقصودين من هذه الأمثال والعبر ، ألا ترى أنه وقع في سورة مريم [ 37 ] قوله فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ فجعلت الصلة فعل كَفَرُوا لأن المقصود من آية سورة مريم الذين كفروا من النصارى ولذلك أردف بقوله : لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ مريم : 38 ] لمّا أريد التخلص إلى إنذار المشركين بعد إنذار النصارى . [ 66 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 66 ] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 66 ) استئناف بياني بتنزيل سامع قوله : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ [ الزخرف : 65 ] منزلة من يطلب البيان فيسأل : متى يحلّ هذا اليوم الأليم ؟ وما هو هذا الويل ؟ فوردت جملة هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً جوابا عن الشقّ الأول من السؤال ، وسيجيء الجواب عن الشق الثاني في قوله : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [ الزخرف : 67 ] وفي قوله : إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ [ الزخرف : 74 ] الآيات .